فصل: فصل في حكم السماع:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر منهاج القاصدين (نسخة منقحة)



.الفصل الثاني: في أمر الأمراء والسلاطين بالمعروف ونهيهم عن المنكر:

وقد ذكرنا درجات الأمر بالمعروف، والجائز من ذلك مع السلاطين القسمان الأولان وهما: التعريف والوعظ، فأما تخشين القول، نحو: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرها إلى الغير، لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه، فهو جائز عند جمهور العلماء، والذي أراه المنع من ذلك، لأن المقصود إزالة المنكر، وحمل السلطان بالانبساط عليه على فعل المنكر أكبر من المنكر الذي قصد إزالته، وذلك أن أقرب السلاطين التعظيم، فإن سمعوا من آحاد الرعية: يا ظالم، يا فاسق، رأوا غاية الذل، لم يصبروا على ذلك.
قال الإمام أحمد رحمه الله: لا تتعرضن بالسلطان، فان سيفه مسلول، فأما ما جرى من السلف من التعرض لأمرائهم، فإنهم كانوا يهابون العلماء، فإذا انبسطوا عليهم احتملوهم في الأغلب.
وقد جمعت مواعظ السلف للخلفاء والأمراء في كتاب المصباح المضيء وأنا أنتخب منه ها هنا حكايات.
قال سعيد بن عامر لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني موصيك بكلمات من جوامع الآلام ومعالمه: اخش الله في الناس، ولا تخش الناس في الله، ولا يخالف قولك فعلك، فإن خير القول ما صدقه الفعل، وأحب لقريب المسلمين وبعيدهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك، وخض الغمرات إلى الحق حيث علمته، ولا تخف في الله لومة لائم. قال: ومن يستطع ذلك يا أبا سعيد؟ قال: من ركب في عنقه مثل الذي ركب في عنقك.
وقال قتادة: خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه من المسجد ومعه الجارود، فإذا امرأة برزة على الطريق، فسلم عليها، فردت عليه، أو سلمت عليه، فرد عليها، فقال: هيه يا عمر، عهدتك وأنت تسمى عميراً في سوق عكاظ تصارع الصبيان، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الموت خشي الفوت، فبكى عمر رضي الله عنه، فقال الجارود: هيه، لقد تجرأت على أمير المؤمنين وأبكيتيه.
فقال عمر: دعها، أما تعرف هذه؟ هي خولة بن حكيم التي سمع الله قولها من فوق سماواته، فعمر والله أحرى أن يسمع كلامها.
ودخل شيخ من الأزد على معاوية، فقال: اتق الله يا معاوية، واعلم أنك كل يوم يخرج عنك، وفي كل ليلة تأتى عليك لا تزداد من الدنيا إلا بعداً، ومن الآخرة إلا قرباً، وعلى إثرك طالب لا تفوته، وقد نصب لك علم لا تجوزه، فما أسرع ما تبلغ العلم، وما أوشك أن لحقك الطالب، وإنا وما نحن فيه وأنت زائل، والذي نحن صائرون إليه باق، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
ودخل سليمان بن عبد الملك المدينة، فأقام بها ثلاثاً، فقال: ما هاهنا رجل ممن أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحدثنا؟ فقيل له: ها هنا رجل يقال له أبو حازم، فبعث إليه فجاء. فقال سليمان: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء؟ قال أبو حازم: وأي جفاء رأيت منى؟ فقال له: أتاني وجوه المدينة كلهم ولم تأتني؟! فقال: ما جرى بيني وبينك معرفة آتيك عليها. قال صدق الشيخ. يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخرب. قال: صدقت يا أبا حازم، فكيف القدوم على الله تعالى؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله فرحاً مسروراً، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه خائفاً محزوناً. فبكى سليمان وقال: ليت شعري، ما لنا عند الله يا أبا حازم، فقال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله؟ قال: عند قوله {إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} [الإنفطار 13- 14]. قال يا أبا حازم، فأين رحمة الله؟ قال: {قريب من المحسنين} [الأعراف: 56] قال: يا أبا حازم، من أعقل الناس؟ قال: من تعلم الحكمة وعلمها الناس. قال: فمن أحمق الناس؟ قال: من حط نفسه في هوى رجل وهو ظالم، فباع أخرته بدنيا غيره. قال: يا أبا حازم فما أسمع الدعاء؟ قال: دعاء المخبتين. قال: فما أزكى الصدقة؟ قال: جهد المقل. قال يا أبا حازم، ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أعفني من هذا. قال سليمان نصيحة تلقيها. قال أبو حازم: إن ناساً أخذوا هذا الأمر عنوة من غير مشاورة المسلمين، ولا إجماع عن رأيهم، فسفكوا فيه الدماء على طلب الدنيا، ثم ارتحلوا عنه، فليت شعري، ما قالوا؟ وما قيل لهم؟ فقال بعض جلسائهم؟ بئس ما قلت يا شيخ، فقال أبو حازم: كذبت، إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه. قال سليمان: يا أبا حازم، أصبحنا تصيب منا ونصيب منك.
قال: أعود بالله من ذلك. قال: ولم؟ قال: أخاف أن أركن إليكم شيئا قليلاً، فيذيقني ضعف الحياة، وضعف الممات. قال. فأشر على، قال: اتق الله أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك. قال: يا أبا حازم، ادع لنا بخير. فقال: اللهم إن كان سليمان وليك فيسره للخير، وإن كان غير ذلك، فخذ إلى الخير بناصيته، فقال: يا غلام، هات مائة دينار ثم قال: خذ يا أبا حازم. قال لا حاجة لي به، لي ولغيري في هذا المال أسوة، فإن واسيت بيننا وإلا فلا حاجة لي فيها، إني أخاف أن يكون لما سمعت من كلامي. فكأن سليمان أعجب بأبي حازم، فقال الزهري: إنه لجارى منذ ثلاثين سنة، ما كلمته قط، فقال أبو حازم: إنك نسيت الله فنسيتني. قال الزهري: أتشتمني؟ قال سليمان: بل أنت شتمت نفسك، أما علمت أن للجار على الجار حقاً؟ قال أبو حازم: إن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء، وكانت العلماء تفر بدينها منهم، فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا العلم، وأتوا به الأمراء، واجتمع القوم على المعصية، فسقطوا وانتكسوا، ولو كان العلماء يصونون دينهم وعلمهم، لم تزل الأمراء تهابهم. قال الزهري: كأنك إياي تريد وبئ تعرض؟ قال: هو ما تسمع.
وحكي أن أعرابيا دخل على سليمان بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، إني مكلمك بكلام فاحتمله وإن كرهته، فإن وراءه ما تحب إن قبلته. قال: قل، قال: يا أمير المؤمنين، إنه قد أكتنفك رجال ابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله ولم يخافوه فيك، خربوا الآخرة وعمروا الدنيا، فهم حرب للآخرة، سلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، فإنهم لم يألو الأمانة تضييعاً والأمة خسفاً، وأنت مسئول عما اجترحوا، وليسوا بمسئولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فان أعظم الناس غبناً بائع آخرته بدنيا غيره. فقال سليمان: أما أنت فقد سللت لسانك، وهو أقطع من سيفك. فقال: أجل يا أمير المؤمنين، لك لا عليك. قال: فهل من حاجة في ذات نفسك؟ قال: أما خاصة دون عامة فلا، ثم قام فخرج. فقال سليمان: لله دره ما أشرف أصله، وأجمع قلبه، وأذرب لسانه، وأصدق نيته، وأروع نفسه، هكذا فليكن الشرف والعقل.
وقيل: قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لأبى حازم: عظني. فقال: اضطجع ثم اجعل الموت عند رأسك، ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فخذ فيه الآن، وما تكره أن يكون فيك تلك الساعة فدعه الآن. وقال محمد بن كعب لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، إنما الدنيا سوق من الأسواق، منها خرج الناس بما يضرهم وما ينفعهم، وكم من قوم غرهم منها مثل الذي أصبحنا فيه، حتى أتاهم الموت فاستوعبهم فخرجوا منها ملومين لم يأخذوا منها لما أحبوا من الآخرة عدة، ولا لما كرهوا منها جنة، اقتسم ما جمعوا من لم يحمدهم، وصاروا إلى من لا يعذرهم فنحن محققون يا أمير المؤمنين أن ننظر إلى تلك الأعمال التي نغبطهم بها فنخلفهم فيها، وإلى الأعمال التي نتخوف عليهم فيها فنكف عنها، فاتق الله، وافتح الأبواب، وسهل الحجاب، وانصر المظلوم، ورد الظالم. ثلاث من كن فيه استكمل الأيمان بالله عز وجل: إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له. ودخل عطاء بن أبي رباح على هشام، فرحب به وقال: ما حاجتك يا أبا محمد؟ وكان عنده أشراف الناس يتحدثون، فسكتوا، فذكره عطاء بأرزاق أهل الحرمين وعطياتهم. فقال: نعم يا غلام اكتب لأهل المدينة وأهل مكة بعطاء أرزاقهم، ثم قال: يا أبا محمد هل من حاجة غيرها؟ فقال: نعم فذكره بأهل الحجاز، وأهل نجد، وأهل الثغور، ففعل مثل ذلك، حتى ذكره بأهل الذمة أن لا يكلفوا مالا يطيقون، فأجابه إلى ذلك، ثم قال له في آخر ذلك: هل من حاجة غيرها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، اتق الله في نفسك، فإنك خلقت وحدك، وتموت وحدك، وتحشر وحدك، وتحاسب وحدك، لا والله ما معك ممن ترى أحد. قال: فأكب هشام يبكى، وقام عطاء. فلما كان عند الباب إذا رجل قد تبعه بكيس ما تدرى ما فيه، أدراهم أم دنانير؟ وقال: إن أمير المؤمنين قد أمر لك بهذا، فقال: {ما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين} ثم خرج ولا والله ما شرب عندهم حسوة ماء فما فوقها.
وعن محمد بن على قال: إني لحاضر مجلس المنصور، وفيه ابن أبي ذئب، وكان والى المدينة والحسن بن زيد، فأتى الغفاريون فشكوا إلى أبي جعفر المنصور شيئاً من أمر الحسن بن زيد، فقال الحسن: يا أمير المؤمنين، سل عنهم ابن أبي ذئب. قال: فسأله عنهم، فقال: أشهد أنهم أهل الحطم في أعراض الناس. فقال أبو جعفر: قد سمعتم؟ فقال الغفاريون: يا أمير المؤمنين، فسله عن ا لحسن بن زيد. فسأله، فقال: أشهد أنه يحكم بغير الحق. فقال: قد سمعت يا حسن. قال يا أمير المؤمنين، سله عن نفسك. فقال: ما تقول في؟ قال: أو يعفيني أمير المؤمنين؟ فقال والله لتخبرني. فقال أشهد أنك أخذت هذا المال من غير حقه، وجعلته في غير أهله. فوضع يده في قفا ابن أبي ذئب، وجعل يقول له: أما والله ولا أنا لأخذت أبناء فارس والروم والدليم والترك بهذا المكان منك. فقال ابن أبي ذئب: قد ولى أبو بكر وعمر فأخذا بالحق وقسما بالسوية، وأخذا بأقفاء فارس والروم، فخلاه أبو جعفر، وقال: والله لولا أني أعلم أنك صادق لقتلتك، فقال: والله يا أمير المؤمنين إني أنصح لك من ابن المهدي.
وعن الأوزاعي رحمه الله قال: بعث إلى المنصور وأنا بالساحل فأتيته، فلما وصلت إليه وسلمت عليه استجلسني، ثم قال: ما الذي أبطأ بك يا أوزاعي؟
قلت: وما الذي تريد يا أمير المؤمنين؟ قال: أريد الأخذ عنكم والاقتباس منكم.
قلت: فانظر يا أمير المؤمنين أن تسمع شيئاً ثم لا تعمل به، فصاح بي الربيع وأهوى بيده إلى السيف، فانتهزه المنصور وقال: هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة، فطابت نفسي وانبسطت في الكلام، فقلت: يا أمير المؤمنين، حدثني مكحول عن عطية بن بشر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أيما وال مات غاشاً لرعيته حرم الله عليه الجنة» يا أمير المؤمنين، كنت في شغل شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت تملكهم، أحمرهم، وأسودهم ومسلمهم، وكافرهم، وكل له عليك نصيب من العدل، فكيف بك إذا انبعث منهم فئام وراء فئام، ليس منهم أحد إلا هو يشكو بلية أدخلتها عليه، أو ظلامة سقتها إليه.
يا أمير المؤمنين، حدثني مكحول عن زياد بن حارثة عن حبيب بن سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا إلى القصاص نفسه في خدش خدشه أعرابياً لم يتعمده، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، إن الله تعالى لم يبعثك جباراً ولا متكبراً، فدعا ? الأعرابي، فقال: «اقتص منى»، فقال الأعرابي: قد أحللتك، بأبي أنت وأمي، وما كنت لأفعل ذلك أبداً، ولو أتيت على نفسي. فدعا له بخير. يا أمير المؤمنين، رض نفسك لنفسك، وخذ لها الأمان من ربك. يا أمير المؤمنين، إن الملك لو بقى لمن قبلك لم يصل إليك، وكذلك لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك. يا أمير المؤمنين، جاء في تأويل هذه الآية عن جدك {ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} [الكهف: 49]، قال الصغيرة: التبسم، والكبيرة الضحك، فكيف بما عملته الأيدي، وحصدته الألسن. يا أمير المؤمنين، بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة، لخشيت أن أسأل عنها، فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك؟ يا أمير المؤمنين، جاء في تأويل هذه الآية عن جدك: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى} [ص: 26] قال: إذا قعد الخصمان بين يديك، وكان لك في أحدهما هوى، فلا تتمنين في نفسك أن يكون الحق له فيفلج على صاحبه، فأمحوك من نبوتي، ثم لا تكون خليفتي، يا داود: إنما جعلت رسلي إلي عبادي رعاء كرعاء الإبل لعلمهم بالرعاية، ورفقهم بالسياسة، ليجبروا الكسر، ويدلوا الهزيل على الكلأ والماء. يا أمير المؤمنين، إنك قد بليت بأمر لو عرض على السماوات والأرض والجبال لأبين أن يحملنه وأشفقن منه. يا أمير المؤمنين: حدثني يزيد بن جابر عن ثم قلت: يا أمير المؤمنين، قد سأل جدك العباس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إمارة على مكة والطائف أو اليمن، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يا عم نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها» نصيحة منه لعمه وشفقة منه عليه، وأخبره أنه لا يغنى عنه من الله شيئاً إذا أوحى إليه: {وأنذر عشريتك الأقربين} [الشعراء: 214] فقال: يا عباس، ويا صفية، ويا فاطمة، إني لست أغنى عنكم من الله شيئاً، لي عملي ولكم عملكم، وقد قال عمر بن الخطاب: لا يقيم أمر الناس إلا حصيف العقل، لا تأخذه في الله لومة لائم، وذكر تمام كلامه للمنصور، ثم قال: فهي نصيحة، والسلام عليك. ثم نهض فقال: إلى أين؟ فقال: إلى الوطن بأذن أمير المؤمنين. فقال: أذنت لك، وشكرت لك نصيحتك، وقبلتها بقبولها، والله الموفق للخير، والمعين عليه، وبه أستعين، وعليه أتوكل، وهو حسبي ونعم الوكيل، فلا تخلني من مطالعتك إياي بمثلها، فإنك المقبول القول غير المتهم في النصيحة. قلت: أفعل إن شاء الله. فأمر له بمال يستعين به على خروجه، فلم يقبله، وقال: أنا في غنى عنه، وما كنت لأبيع نصيحتي بعرض الدنيا كلها، وعرف المنصور مذهبه فلم يجد عليه في رده. ولما حج الرشيد قيل له: يا أمير المؤمنين، قد حج شيبان. قال: اطلبوه لي، فأتوه به، فقال: يا شيبان، عظني، قال: يا أمير المؤمنين، أنا رجل ألكن، لا أفصح بالعربية، فجئني بمن يفهم كلامي حتى أكلمه. فأتى برجل يفهم كلامه، فقال له بالنبطية: قل له: يا أمير المؤمنين، إن الذي يخوفك قبل أن تبلغ المأمن، أنصح لك من الذي يؤمنك قبل أن تبلغ الخوف، قال له: أي شيء تفسير هذا؟ قال: قله: الذي يقول لك: اتق الله فإنك رجل مسئول عن هذه الأمة، استرعاك الله عليها، وقلدك أمورها، وأنت مسئول عنها، فاعدل في الرعية، واقسم بالسوية، وانفذ في السرية، واتق الله في نفسك، هذا الذي يخوفك، فإذا بلغت المأمن أمنت، هذا أنصح لك ممن يقول: أنتم أهل بيت مغفور لكم، وأنتم قرابة نبيكم وفي شفاعته، فلا يزال يؤمنك حتى إذا بلغت الخوف عطبت، قال: فبكى هارون حتى رحمه من حوله، ثم قال: زدني، قال: حسبك.
وعن علقمة بن أبي مرثد، قال: لما قدم عمر بن هبيرة العراق، أرسل إلى الحسن وإلى الشعبي، فأمر لهما ببيت، فكانا فيه نحواً من شهر، ثم دخل عليهما وجلس معظماً لهما، فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك يكتب إلى كتباً، أعرف أن في إنقاذها الهلكة، فإن أطعته عصيت الله، وإن عصيته أطعت الله، فهل تريان في متابعتي إياه فرجاً؟ فقال الحسن: يا أبا عمرو، أجب الأمير. فتكلم الشعبي، فانحط في أمر ابن هبيرة، كأنه عذره، فقال: ما تقول أنت يا أبا سعيد؟ قال: أيها الأمير، فقد قال الشعبي ما قد سمعت. فقال: ما تقول أنت؟ قال: أقول: يا عمر بن هبيرة، ويوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله تعالى فظ غليظ لا يعصى الله ما أمره، فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك. يا عمر بن هبيرة، إن تتق الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك، ولن يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله تعالى. يا عمر بن هبيرة، لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك، فيغلق به باب المغفرة دونك. يا عمر بن هبيرة، لقد أدركت ناساً من صدر هذه الأمة، كانوا عن الدنيا وهى مقبلة عليهم أشد إدباراً من إقبالكم عليها وهى مدبرة عنكم.
يا عمر بن هبيرة، إني أخوفك مقاماً خوفكه الله تعالى فقال: {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد} [إبراهيم: 14]. يا عمر بن هبيرة، إن تك مع الله في طاعته، كفاك يزيد بن عبد الملك، وإن تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصي الله وكلك الله إليه. فبكى عمر بن هبيرة وقام بعبرته. فلما كان من الغد أرسل إليهما بإذنهما وجوائزهما، وأكثر فيها للحسن، وكان في جائزة الشعبي بعض الإقتار، فخرج الشعبي إلى المسجد، فقال: أيها الناس، من استطاع منكم أن يؤثر الله تعالى على خلقه، فليفعل، فوالدي نفسي بيده، ما علم الحسن شيئاً منه فجهلته، ولكنى أردت وجه ابن هبيرة، فأقصاني الله منه. ودخل محمد بن واسع رحمه الله على بلال بن أبي بردة في يوم حار وبلال في حبشة، وعنده الثلج، فقال له: يا أبا عبد الله، كيف ترى بيتنا هذا؟ قال: إن بيتك لطيب، والجنة أطيب منه، وذكر النار يلهى عنه. قال: ما تقول في القدر؟ قال: جيرانك أهل القبور، ففكر فيهم، فإن فيهم شغلاً عن القدر. قال: ادع الله لي. قال: وما نصنع بدعائي؟ وعلى بابك كذا وكذا يقولون: إنك ظلمتهم، يرفع دعاؤهم قبل دعائي، لا تظلم، ولا تحتاج لدعائي. فهذا مختصر من أخبار من وعظ الأمراء، فمن أراد الزيادة، فلينظر في المصباح المضيء.
وهذه كانت سير العلماء وعاداتهم في الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وقلة مبالاتهم بسطوات السلاطين إيثاراً لإقامة حق الله تعالى على تقاتهم، إلا أن السلاطين كانوا يعرفون حق العلم وفضله فيصبرون على مضض مواعظ هؤلاء. والذي أراه الآن الهرب من السلاطين، فهو الأولى، فإن قدر لقاء، أقتنع بلطف الموعظة حسب. ولذلك سببان:
أحدهما: يتعلق بالواعظ، وهو سوء قصده وميله إلى الدنيا والرياء، فلا يخلص له وعظه.
والثاني: يتعلق بالموعوظ، فإن حب الدنيا قد شغل الأكثرين عن ذكر الآخرة، وتعظيمهم الدنيا أنساهم تعظيم العلماء، وليس لمؤمن أن يذل نفسه. آخر كتاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وذكر المصنف قبل ذلك كتاباً في السماع والوجد، فلنذكر شيئاً منه ها هنا مختصراً.

.فصل في حكم السماع:

اعلم أن السماع الذي نعنى به الغناء من أكبر ما تطرق به إبليس إلى فساد القلوب، وغر به خلقاً لا يحصون من العلماء والزهاد، فضلاً عن العوام، حتى ادعوا حضور القلب مع الله عند سماع الأغاني المطربة، وظنوا أن ما أوجبه السماع من طرب القلوب وانزعاجها، وجد يتعلق بالآخرة. وإذا أردت أن تعرف الحق، فانظر في القرن الأول، هل فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً من ذلك أو أصحابه، ثم انظر إلى أقوال التابعين وتابعيهم، وفقهاء الأمة، كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد رحمهم الله، فكل القوم ذموا الغناء، حتى قال مالك: إذا اشترى جارية، فوجدها مغنية، كان له ردها، وسئل عن الغناء، قال: إنما يفعله الفساق. وسئل الإمام أحمد عن رجل مات وخلف ولداً وجارية مغنية، فاحتاج الصبي إلى بيعها، فقال: تباع على أنها ساذجة لا مغنية، فقيل له: إنها تساوى ثلاثين ألفاً إذا كانت مغنية، وإذا بيعت ساذجة ربما ساوت عشرين ديناراً، فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة. وقد أطبق الفقهاء على الزجر عن الغناء. ومن المتأخرين أبو الطيب الطبري من كبار أصحاب الشافعي، وصنف كتاباً، وبالغ في النهى عنه، وإنما تعلق بإباحته قوم مفتونون، قالوا: قد أجازه قوم من السلف. وقد سمع أحمد بن حنبل قول قوال، فقال: لا بأس بهذا، فينبغي أن يتأمل الذي أفتى بجوازه ما هو، وليس إلا الأشعار الزهدية وما يشبهها، من غير ضرب بقضيب، أو آلة تطرب، ولا ضم إلى ذلك تصفيق ولا رقص.
وعلى هذا يحمل حديث عائشة في الجاريتين المغنيتين لما غنتا بما تقاولته الأنصار يوم بعاث فإن ذلك لا يطرب. ومعلوم أنه لم يكن للأوائل ما أحدثه الأواخر من الدف والصنج والشبابة والشعر الرقيق، فإن هذه الأشياء تثير دفائن الهوى الكامنة في النفوس وتزعج، فيحسب الجاهل هذا الانزعاج معلقاً بالأبخرة، وهيهات. وليتهم قالوا: إن هذا مباح من اللهو فنستريح إليه، وإنما يظنونه قربة، ويسمون الطرب المخرج عن حد العقل وجداً، وربما أوجد الطرب مالا يحل، من تمزيق الثياب، والتخبط، وكل هذا بمعزل عن طريق السلف، وغير خاف أنه ضلال عن الجادة، فلا ينبغي للإنسان أن يغالط نفسه، وإنما الوجد الصحيح وجد القلب عند سماع القرآن والوعظ، فحينئذ يثور من الباطن خوف من الوعيد، وشوق من الوعد، وندم على التفريط، وجميع هذه الحركات الباطنة توجب سكون الظاهر، لا الجمز والتصفيق، ولم يضق علينا القرآن والوعظ وأشعار الزهد، حتى نحتاج في إحضار القلوب إلى باب الله تعالى أن نذكر سلمى وسعدى، ولا ننكر أنه قد يتفق في بعض تلك الأشعار ما يصح أن يوجد إشارة، إلا أن الأغلب منها إمالة القلوب إلى الهوى الدنيوي. ومثل من أراد أن يأخذ منها للآخرة، كمثل من قال: أنا أنظر إلى الأمرد المستحسن لأتعجب من صنعة القادر، فإنه قد أخطأ الطريق، لأن ما تستلبه الشهوة والطبع عند النظر يكدر طريق الفكر ويشغل عنه، فلذلك نمنعه ونقول: انظر إلى مالا مكدر فيه قوله تعالى: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها} [ق: 6]. ومن قال: إنه لا يؤثر عندي ما يؤثر عند غيري من انجذاب الطبع إلى الهوى، كان مدعياً ما يخالف الجبلة، فلا يلتفت إلى دعواه، وقد بالغت في الكشف عن هذا كله في كتابي المسمى بتلبيس إبليس فلم أر التطويل هاهنا، والله أعلم.

.باب آداب المعيشة وأخلاق النبوة:

اعلم أن آداب الظواهر عنوان آداب البواطن، وحركات الجوارح ثمرات الخواطر، والأعمال نتائج الأخلاق، والآداب رشح المعارف، وسرائر القلوب هي مغارس الأفعال ومنابعها، وأنوار السرائر هي التي تشرق على الظواهر فتزينها وتحليها. ومن لم يخشع قلبه لم تخشع جوارحه، ومن لم يكن صدره مشكاة الأنوار الإلهية، لم يفض على ظاهره جمال الآداب النبوية.
وقد أسلفنا جملة من الآداب بما يغنى عن إعادتها هاهنا، لكن نقتصر في هذا الباب على شيء من آداب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخلاقه لنجمع مع جمع الآداب تأكيد الإيمان بمشاهدة أخلاقه الكريمة التي يشهد آحادها بأنه أكرم الخلق وأعلاهم مرتبة وأجلهم قدراً، فكيف بمجموعها؟.
سئلت عائشة رضي الله عنه الله، عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه ويرضى لرضاه، ولما كمل الله تعالى خلقه أثنى عليه فقال: {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 5] فسبحان من أعطى ثم أثنى. وهذه جملة من محاسن أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم، وصفته:
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحلم الناس، واسخي الناس، وأعطف الناس. وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله. وكان أشد حياء من العذراء في خدرها.
وكان يجيب دعوة المملوك، ويعود المرضى، ويمشى وحده، ويردف خلفه، ويقبل الهدية، ويأكلها، ويكافئ عليها، ولا يأكل الصدقة، ولا يجد من الدقل ما يملأ بطنه، ولم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام تباعاً. وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع. وكان يأكل ما حضر، وما عاب طعاماً قط. وكان لا يأكل متكئاً، ويأكل مما يليه. وكان أحب الطعام إليه اللحم، ومن الشاة الكتف، ومن البقول الدباء، ومن الصبغ الخل، ومن التمر العجوة. وكان يلبس ما وجد، مرة برد حبرة، ومرة جبة صوف. ويركب تارة بعيراً وتارة بغلة، وتارة حماراً، ويمشى مرة راجلاً حافياً.
وكان يحب الطيب، ويكره الريح الخبيثة. ويكرم أهل الفضل، ويتألف أهل الشرف.
ولا يجفو على أحد، ويقبل معذرة المعتذر إليه. يمزح ولا يقول إلا حقاً، يضحك في غير قهقهة، لا يمضى عليه وقت في غير عمل لله تعالى، أو فيما لابد منه من صلاح نفسه. وما لعن امرأة ولا خادماً قط. وما ضرب أحداً بيده قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله. وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله. وما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما، إلا أن يكون مأثماً أو قطيعة رحم، فيكون أبعد الناس منه. وقال أنس رضي الله عنه: خدمته عشر سنين، فما قال لي: أف قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله: لا فعلت كذا؟ ومن صفته في التوراة: محمد رسول الله، عبدي المختار، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح. وكان من خلقه أنه يبدأ بالسلام من لقيه، ومن فاره بحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف. وما أخذ أحد يده فأرسل يده حتى يرسلها الآخذ. وكان يجلس حيث ينتهي به المجلس مختلطاً بأصحابه كأنه أحدهم، فيأتي الغريب فلا يدرى أيهم هو حتى يسأل عنه:
وكان طويل السكوت، فإذا تلكم لم يسرد كلامه، بل يتثبت فيه ويكرره ليفهم. وكان يعفو مع القدرة، ولا يواجه أحداً بما يكره. وكان أصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، ومن رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، وكان أصحابه إذا تكلموا في أمر الدنيا تحدث معهم، وكانوا يتذاكرون أمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم. وكان أشجع الناس. قال بعض أصحابه: البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن بالطويل البائن ولا بالقصير، كان ربعه من القوم. وكان أزهر الله ولم يكن بالآدم. وكان رجل الشعر، ليس بالبسط ولا الجعد القطط، وكان شعره إلى شحمة أذنه. وكان واسع الجبهة، أزج الحواجب، أدعج العينين، أهدب الأشفار، أقنى العرنين، سهل الخدين، كث اللحية، كأن عنقه جيد دمية، عريض الصدر، سواء البطن والصدر، رحب الراحة، طويل الزندين، كفه ألين من الحرير صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم:
فإن من شاهد أحواله وسمع أخباره المشتملة على أخلاقه وأفعاله وآدابه وبدائع تدبيره لمصالح الخلق ومحاسن إشارته في تفصيل ظاهر الشرع الذي تعجز العقلاء والفصحاء عن إدراك أوائل دقائقها في طول أعمارهم، لم يبق عنده ريب في أن ذلك لم يكن محتسباً بحيلة وأنه لا يتصور ذلك إلا بالاستمداد من تأييد سماوي وقوة إلهية، وأن ذلك لا يصح لملبس ولا كذاب، بل كانت شمائله وأحواله شواهد قاطعة بصدقة. ومن أعظم معجزاته انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وإطعامه الخلق الكثير من الطعام اليسير، ورميه بحصيات يسيرة فوصلت إلى أعين الخلق الكثير، وحنين الجذع إليه كما يحن العشار، وإخباره بالغائبات فكانت كما قال، ورد عين قتادة بيده فكانت أحسن عينيه، وتفل في عين على رضي الله عنه وهو أرمد فصح من وقته، إلى غير ذلك من المعجزات التي شاعت ولم يوجد سبيل إلى كتمانها، نسأل الله أن يوفقنا للاقتداء بأخلاقه وصفاته، إنه كريم مجيب، والحمد لله رب العالمين.